عماد الدين خليل
30
المستشرقون والسيرة النبوية
وما قالوه حول اعتماد الرسول صلى اللّه عليه وسلم أسلوب ( اللاعنف ) في العصر المكّي ، وتحوّله إلى القوة بعد أن شكّل دولة في المدينة وتجمّع حوله المقاتلون : « لقد كان في وسع محمد ( يقول فلهاوزن ) - من طريق عقيدة تتجاوز دائرة معتنقيها الدائرة التي ترسمها رابطة الدم - أن يحطّم رابطة الدم هذه ؛ لأنها لم تكن بريئة من العصبيّة وضيقها ، ولا كانت ذات صيغة خارجيّة عارضة . هذا هو الذي جعلها لا تتّسع لقبول عنصر غريب عنها ، ولكن محمدا لم يرد ذلك ، ومن الجائز أيضا أنه لم يكن يستطيع أن يتصوّر إمكان رابطة دينيّة في حدود غير حدود رابطة الدم » « 1 » . ويرفض سير توماس أرنولد في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) هذه الرؤية الخاطئة فيقول : « من الغريب أن ينكر بعض المؤرّخين أن الإسلام قد قصد به مؤسّسه في بادئ الأمر أن يكون دينا عالميا برغم هذه الآيات البينات . . « 2 » ومن بينهم السير وليم موير إذ يقول : إن فكرة عالمية الرسالة قد جاءت فيما بعد . وإن هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها ، لم يفكّر فيها محمد نفسه ، وعلى فرض أنه فكّر فيها فقد كانت الفكرة غامضة ؛ فإن عالمه الذي كان يفكر فيه ، إنما كان بلاد العرب ، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيّأ إلّا لها . وأن محمدا لم يوجه دعوته منذ بعث إلى أن مات إلّا للعرب دون غيرهم ، وهكذا نرى أن نواة عالمية الإسلام قد غرست ، ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك فإنما يرجع ذلك إلى الظروف والأحوال أكثر منها إلى الخطط والمناهج » « 3 » . ويجيب أرنولد : « لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب ، بل
--> ( 1 ) الدولة العربية وسقوطها ، ص 4 . ( 2 ) يستشهد أرنولد بالآيات التالية : سورة 36 آية 69 - 70 ، سورة 21 آية 107 ، سورة 25 آية 1 ، سورة 24 آية 7 ، سورة 61 آية 9 . . إلى آخره . ( 3 ) the caliphate , pp . 43 - 44 وكايتاني آخر من يؤيد هذا الرأي annali dell islam , v . 323 - 423 . عن أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ، هامش 2 ص 49 - 50 .